ابو القاسم عبد الكريم القشيري
57
لطائف الإشارات
فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجرى عليه منه ، وهو عن ملاحظتها محو ، فنفوسهم مستقبلة القبلة ، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة : أراني إذا صلّيت يمّمت نحوها * بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا أصلى فلا أدرى إذا ما قضيتها * أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا ؟ وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض ، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون . أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون ؛ فشتّان بين غائب يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة ، وبين غائب يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة . قوله جل ذكره : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق ما تمكّن الإنسان من الانتفاع به ، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمّا نفلا وإما فرضا على موجب تفصيل « 1 » العلم . وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن اللّه سبحانه وتعالى شيئا من ميسورهم ؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية ، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية . فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال ، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال ، فهؤلاء يكتفى منهم عشرين بنصف ومن المائتين بخمس « 2 » ، وعلى هذا السّنن جميع الأموال يعتبر فيه النّصاب . وأمّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظة قامت عليهم القيامة . [ فصل ] الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم ، فآثروا رضاء اللّه على مناهم ، والعابدون أنفقوا في سبيل اللّه وسعهم وقواهم ، فلازموا سرا وعلنا نفوسهم . والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شئ من دنياهم وعقباهم . والعارفون أنفقوا في سبيل اللّه ما هو سوى مولاهم فقرّبهم الحق سبحانه وأجزاهم ، وبحكم الإفراد به لقّاهم .
--> ( 1 ) وردت ( تفضيل ) ولا يرجحها السياق فالمقصود ما يفصله العلم من مقادير زكاة المال . ( 2 ) إشارة إلى أن زكاة الأموال مقدارها ربع العشر .